تتعامل مواقع البنية التحتية في جميع أنحاء البلاد مع أخطار جديدة جسيمة ناتجة عن استخدام الطائرات المُسيرة كأداة حرب. ففي محطات التحويل الكهربائية، وقعت عدة حالات شهدت فيها طائرات مُسيرة إلقاء مواد مشتعلة مباشرةً على المعدات، ما تسبب في انقطاعات كهربائية واسعة النطاق تركت أحياءً بأكملها دون كهرباء. وتروي مراكز معالجة المياه قصصاً مماثلة حول محاولاتها منع طائرات مُسيرة محمَّلة بمواد ضارة. فالاختراق الناجح الوحيد لهذه المنشآت قد يعني تلوث إمدادات المياه لأشهرٍ عديدةٍ متتالية. كما واجهت القوات المسلحة مشاكلها الخاصة أيضاً، حيث رصدت أكثر من مئة اختراق بواسطة طائرات مُسيرة العام الماضي وحده. وشمل بعض هذه الحوادث طائرات مُسيرة حلَّقت أولاً حول القواعد العسكرية لرسم خرائط للدفاعات قبل أن تُلقي قنابلَ أو متفجرات. فما السبب في فعالية هذه الهجمات؟ إن المنشآت الكبيرة بطبيعتها تتطلب حماية مساحات واسعة، ولا تتوفر فيها رقابة جوية كافية، كما أن عملياتها لا تسمح بأي انقطاعات. ووفقاً لأحدث الدراسات، تصل الخسائر المالية إلى مئات الآلاف من الدولارات في كل حادث. أما الأمن على مستوى سطح الأرض فلا يجدي نفعاً أمام هذه التهديدات الطائرة الصغيرة والذكية التي تنزلق بسهولة عبر الأسوار والجدران.
يستخدم المجرمون الطائرات المسيرة بطرق تُحدث مشاكل حقيقية. ويبدأون ذلك بالتحليق بها حول المنشآت لالتقاط صورٍ تفصيلية تُظهر مواطن الضعف في أنظمة الأمن والمواقع التي توجد فيها المعدات الحيوية؛ ثم تُستخدم هذه الصور لوضع خطط هجماتٍ بدقة متناهية. وتتم تعديل الطائرات المسيرة الاستهلاكية العادية بحيث تصبح قادرةً على إسقاط أشياء مثل المتفجرات الموجَّهة نحو محولات الطاقة، أو تشويش الإشارات التي تعتمد عليها أنظمة التحكم، بل وحتى نشر مواد كيميائية في إمدادات المياه. ولقد شاهدنا تقارير أفادت بأن عمليات كاملة انتقلت من مرحلة استطلاع الأهداف إلى إسقاط أي حمولةٍ رغبوا بها خلال نحو نصف ساعة فقط. وما يجعل هذا الأمر مخيفًا للغاية هو سهولة تنفيذه. فبإمكان شخصٍ ما شراء طائرة مسيرة أساسية بتكلفة أقل من خمسمئة دولار أمريكي، ومع ذلك لا يزال بإمكانها حمل حمولة تزن خمسة كيلوغرامات لمسافة عشرة كيلومترات. ومع تحول هذه التهديدات من مجرد التجسُّس البسيط إلى إحداث أضرار فعلية، يقلُّ الوقت المتاح أمامنا بشكلٍ متزايدٍ لصدِّ ما يقترب منَّا. ولهذا السبب فإنَّ منع اتصالات الطائرات المسيرة في مراحلها الأولى يكتسب أهميةً بالغة؛ إذ تعمل أجهزة التشويش على إشارات التحكم عن بُعد بأفضل شكلٍ ممكن عندما تُستخدم قبل أن تُلقى أي حمولةٍ علينا.

تعمل أجهزة تشويش إشارات الطائرات المُسيرة عن طريق إرسال موجات راديوية مركزة تُعطّل الترددات التي تستخدمها الطائرات المُسيرة للحفاظ على اتصالها. وتشمل هذه الترددات الحزم الشائعة مثل ٢,٤ جيجاهرتز و٥,٨ جيجاهرتز، والتي يعتمدها معظم المشغلين في الاتصال بأجهزتهم الجوية. وفي الوقت نفسه، تحجب هذه الأنظمة أيضًا إشارات الملاحة الساتلية الصادرة عن شبكات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ونظام غلوناس (GLONASS) ونظام غاليليو (Galileo). وعندما ينقطع كلٌّ من الاتصالات وبيانات الموقع معًا، فإن أغلب الطائرات المُسيرة المتاحة تجاريًّا تفعّل تلقائيًّا ميزات السلامة المدمجة فيها، ما يعني عادةً أن الطائرة المُسيرة تهبط فورًا أو تعود تلقائيًّا إلى نقطة إقلاعها. ويجد موظفو الأمن في هذا النهج فائدة كبيرة، إذ يمكنهم وقف التسللات الجوية غير المرغوب فيها دون الحاجة إلى التدخل المادي. ووفقًا لبحث نشرته مؤسسة بونيمون (Ponemon Institute) العام الماضي، سجّلت المؤسسات التي طبّقت تقنيات التشويش هذه انخفاضًا كبيرًا في الخسائر الناجمة عن اختراقات الطائرات المُسيرة — أي ما يعادل نحو ثلاثة أرباع أقل ممّا سجّلته المؤسسات التي اعتمدت أساليب الاستجابة التقليدية.
في الماضي، استخدمت تقنيات مكافحة الطائرات المُسيرة ما يُسمى «التشويش العريض النطاق»، الذي كان يغمر نطاقات التردد بأكملها بشكلٍ أساسي. وقد تسبب ذلك في أنواعٍ شتى من المشكلات لأنظمة الاتصالات العادية مثل شبكات الواي فاي، بل وحتى أنظمة الراديو الخاصة بالطوارئ. أما أجهزة التشويش الحديثة على الطائرات المُسيرة فهي تعمل بكفاءةٍ أعلى بكثير. فهي تقوم في الواقع بتحليل الطيف الكهرومغناطيسي أولًا لتحديد الترددات الدقيقة التي تستخدمها الطائرات المُسيرة قبل اتخاذ أي إجراء ضدها. وبذلك يمكن للمُشغلين تركيز الجهود على نطاقات محددة مثل نطاق ISM عند ٥,٨ جيجاهرتز أو إشارات GNSS L1/L2. وهذا يعني أنهم يستطيعون إيقاف الطائرات المُسيرة بدقةٍ عالية جدًّا دون الإضرار بأنظمة الاتصالات المهمة الأخرى المحيطة بها. ووفقًا للقواعد الجديدة الصادرة عن لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) في إرشاداتها الخاصة بالطيف لعام ٢٠٢٤، فإن هذه الطريقة قلَّلت من حالات التعطيل العرضي بنسبة تصل إلى ٩٠٪ مقارنةً بالأساليب القديمة. وتستفيد المنشآت مثل محطات التحويل الكهربائية ومراكز معالجة المياه استفادةً كبيرةً من هذا النوع من الحماية المستهدفة، إذ تحافظ على سير العمليات بسلاسةٍ دون أي انقطاعات غير ضرورية أثناء التشغيل العادي.
يترتب على استخدام أجهزة حجب إشارات الطائرات المُسيرة التزامات قانونية جسيمة يجب على المشغلين فهمها جيدًا. وتتولى إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) جميع صلاحيات التحكم في المجال الجوي، في حين أن لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC) تفرض قواعد صارمة تحظر التدخل في الترددات الراديوية دون إذنٍ مسبق. ولا يجوز تشغيل أنظمة الحجب هذه إلا لبعض الجهات الحكومية فقط، وبخاصة تلك التي تعمل وفق إرشادات وزارة الأمن الداخلي (DHS)، وذلك في المواقع الحساسة مثل محطات الطاقة النووية أو المنشآت العسكرية. وقبل تشغيل أي جهاز حجب، تطلب وزارة الأمن الداخلي إثباتًا قاطعًا على وجود تهديدٍ فعليٍّ، ولذلك فإن معظم عمليات الحجب لا تتم إلا عند توفر أدلة واضحة على وجود طائرات مُسيرة خبيثة في الجوار. وإذا حاول شخصٌ ما تشغيل جهاز حجب دون الحصول على التصريح الرسمي اللازم، فإنه يتعرَّض لعقوبات جسيمة من لجنة الاتصالات الفيدرالية، وقد يُغرَّم أحيانًا بمبالغ تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، فضلًا عن احتمال تعرضه للحبس. ويجب على جميع المشغلين الذين يسلكون القنوات الرسمية إكمال دورات تدريبية متخصصة تركز على الترددات المحددة، لضمان عدم تعطيلهم عمدًا لطائرات مُسيرة أخرى مهمة تقوم بمهام مثل فحص حالة خطوط أنابيب النفط. وتساعد هذه الطبقات المتعددة من الرقابة في الحفاظ على معايير السلامة الجوية وإدارة موارد طيف الاتصالات الوطني بشكل سليم.
الاعتماد فقط على جهاز تشويش إشارات الطائرات المُسيرة جامع الإشارة لن يؤمن المجال الجوي من جميع التهديدات التي نواجهها اليوم. فالحماية الفعلية تتطلب أن تعمل أجهزة التشويش هذه معًا ضمن نظام أوسع لمكافحة الطائرات المُسيرة. وأفضل الترتيبات تجمع بين أساليب كشف مختلفة: فمستشعرات الترددات الراديوية (RF) تلتقط إشارات الطائرات المُسيرة، بينما تتتبع الرادارات مسار تحليقها، وتوفّر الكاميرات إثباتًا بصريًّا لما يحدث في تلك المنطقة. وتشير الدراسات إلى أنَّ التنسيق بين كل هذه العناصر يؤدي إلى اكتشاف ما يقرب من كل التهديدات المحتملة. وإذا تمكن شيءٌ ما من اختراق هذه الخطوط الدفاعية الأولى، فإن جهاز تشويش الإشارات يُفعَّل كخط دفاعي أخير، ليقطع أي وسيلة تحكُّم قد تمتلكها الطائرة المُسيرة. وهذه الطريقة المتعددة الطبقات تقلل من الثغرات الأمنية، وتضمن أن تكون الاستجابة متناسبة مع مستوى الخطر الفعلي المُقدَّم.
قد تشمل التهديدات الناجمة عن الطائرات المُسيرة إلقاء مواد مشتعلة على محطات الطاقة الفرعية، وتلويث إمدادات المياه في مراكز المعالجة، ونقل المتفجرات إلى القواعد العسكرية.
تعمل أجهزة تشويش إشارات الطائرات المُسيرة على تعطيل روابط الاتصال وإشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية، مما يؤدي إلى هبوط الطائرات المُسيرة بشكل آمن أو عودتها تلقائيًّا إلى نقطة الإطلاق.
نعم، تضع إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) واللجنة الفيدرالية للاتصالات (FCC) إرشادات صارمة، ويسمح فقط لبعض الوكالات التابعة لوزارة الأمن الداخلي (DHS) باستخدامها في المرافق المحمية.
أخبار ساخنة